محمد متولي الشعراوي
9091
تفسير الشعراوي
وقوله : { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } [ مريم : 40 ] أي : أن الأمر لا يتوقف على أنْ نرث مُلْكهم ، ويذهبوا هم لحال سبيلهم ، بل سنرث مُلْكهم ، ثم يرجعون إلينا لنحاسبهم فلن يخرجوا هم أيضاً من قبضة الملكية . ثم يقول الحق سبحانه : { واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ } بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في استهلال سورة مريم عن ميلاد سيدنا يحيى لزكريا ، وعن ميلاد سيدنا المسيح بن مريم ، أراد أن يعرض لنا موكباً من مواكب الرسالات التي أرسلها الله نوراً من السماء لهداية الأرض ، فقال : { واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ } [ مريم : 41 ] . فهو أبو الأنبياء وقمتهم ؛ لأن الله تعالى مدحه بقوله : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] . فليس هناك فرد يحتوي على خصال الكمال ومواهب الفضل كلها ، لكن المجموع يحتويها فهذا شجاع قوي البنية ، وهذا ذكي ، وهذا حادّ البصر ، وهذا نابغ في الطب ، وهذا في الزراعة ، مواهب متفرقة بين البشر ، لا يجمعها واحد منه ، فلا طاقته ولا حياته ولا مجهوده يستطيع أن يكون موهوباً في كل شيء ، فالكمال كله مُوزّع في الخَلْق ، إلا إبراهيم ، فقد كان عليه السلام يساوي في مواهبه أمةً بأكملها . وقوله : { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً } [ مريم : 41 ] صِدّيق : من مادة صدق ، ومعناها : تكلّم بواقع ؛ لأن الكذب أنْ يتكلّم بغير واقع . وهذا يُسمَّى : صادق في ذاته ، أما قولنا : صِدِّيق أي : مبالغة في الصدق ،